كتب: غزوان جاسم
بمناسبة الذكرى الخامسة للتأسيس
في مثل هذه الأيام قبل خمسة أعوام، لم تكن “الرابعة” مؤسسة، ولا شاشة يعرفها الناس، ولا اسماً له مكانه في المشهد الإعلامي. كانت فكرة، وربما كان الشيء الوحيد الكبير فيها آنذاك هو الحلم الذي حملناه لها.
كيف بدأت الحكاية؟
حين أعود اليوم إلى تلك الأيام أستغرب أحياناً كيف فعلناها. لم نبدأ في ظروف مثالية، ولا حتى قريبة من المثالية. كانت إمكاناتنا المالية محدودة، وظروفنا اللوجستية صعبة، والوقت أقصر بكثير من حجم المهمة. لم تكن هناك مؤسسة جاهزة نعيد ترتيبها، ولا بنية مكتملة نبني فوقها، ولا طريق واضح نسير فيه. وبأبسط وصف يمكن أن أقوله عن تلك المرحلة: كنا في الفضاء.
بين اللحظة التي تحولت فيها الرابعة من فكرة نتحدث عنها إلى قرار حقيقي بالتأسيس، وبين اللحظة التي ظهرت فيها على الهواء، مرت أربعة أشهر فقط. أربعة أشهر، ومن يعرف صناعة التلفزيون يعرف أن أربعة أشهر قد لا تكفي أحياناً لتطوير برنامج واحد، بينما كنا نحاول خلالها بناء قناة كاملة. كان علينا أن نجد المكان، ونبني الاستوديوهات، ونختار الفريق، ونصنع الهوية، ونضع خريطة البرامج، ونؤسس منظومة فنية وإدارية، ونلاحق عشرات التفاصيل في وقت واحد. وكنا كلما أغلقنا باب مشكلة، فتحت أمامنا أبواب أخرى. لم يكن لدينا المال الكافي، ولا الوقت الكافي، ولا الإمكانات الكافية. لكن كان لدينا القرار الكافي. قررنا أن نبدأ.
وربما كانت هذه أول فكرة كبيرة علمتني إياها الرابعة: أن انتظار اكتمال الظروف قد يكون أحياناً أفضل طريقة لكي لا تفعل شيئاً أبداً. بعض الأحلام لا تبدأ عندما يصبح كل شيء جاهزاً، تبدأ عندما تقرر أن تجعل الأشياء جاهزة وأنت تمضي. وهكذا، بعد أربعة أشهر فقط، أضاءت الشاشات وظهرت الرابعة على الهواء. لم تكن كاملة، ونحن أيضاً لم نكن كاملين. لكن شيئاً كان قد بدأ، ولم يعد بالإمكان إعادته إلى مجرد فكرة.
الثقة والمساحة
والإنصاف يفرض عليّ، وأنا أستعيد البدايات، أن أتوقف عند شيء كان له أثر عميق في هذه التجربة، وفي تجربتي الشخصية أيضاً. الأفكار الكبيرة لا تحتاج فقط إلى من يمولها أو يؤمن بها، بل تحتاج إلى من يمنحها المساحة كي تكبر. وكان خلف الرابعة منذ البداية عقل يفكر بطريقة مختلفة عن الطريقة التقليدية التي يفكر بها كثير من ملاك المؤسسات. لم تكن هناك رغبة في أن يكون المالك حاضراً في كل تفصيل، أو أن تمر كل فكرة من بوابة واحدة، أو أن تصبح رؤيته الشخصية سقفاً لا يستطيع الآخرون تجاوزه. كانت هناك ثقة ومساحة وحرية في أن نجرب، وأن نخطئ، وأن نصحح، وأن نذهب أحياناً إلى أماكن لم تكن موجودة أصلاً في الخطة الأولى.
وأقولها اليوم بأمانة وامتنان: لولا هذه العقلية، ربما كانت الرابعة ستولد، لكنها بالتأكيد لم تكن لتصبح الرابعة التي نعرفها اليوم. لأن المؤسسات لا تكبر فقط بحجم الأموال التي توضع فيها. تكبر أيضاً بحجم المساحة التي تمنح للعقول داخلها. وأنا شخصياً كنت واحداً ممن منحتهم هذه التجربة مساحة كبيرة للنمو. لم تكبر الرابعة وحدها خلال هذه السنوات، كبرتُ أنا معها أيضاً. تعلمت منها في الإدارة بقدر ما تعلمت في الإعلام. تعلمت أن القرار ليس امتيازاً، بل مسؤولية. وأن الثقة التي يمنحها لك أحدهم تصبح في يوم من الأيام مسؤوليتك أن تمنحها لآخرين. وتعلمت شيئاً أؤمن به اليوم أكثر من أي وقت مضى: أن أفضل مالك لمؤسسة ليس بالضرورة من يتخذ أكبر عدد من القرارات، بل قد يكون أحياناً من يعرف متى يترك الآخرين يتخذونها. هناك نجاحات يصنعها التدخل، وهناك نجاحات أكبر يصنعها منح الثقة.
ولعل واحدة من أجمل حقائق قصة الرابعة أن من منحها فرصة أن توجد، لم يطلب منها أن تكون على صورته، بل منحها الحرية لتصنع صورتها الخاصة.
أخطأنا وأصبنا
ثم بدأت السنوات تمضي، وبدأت الرابعة تكبر، لكنها لم تكبر في طريق مفروش بالنجاحات. ولا أريد، في الذكرى الخامسة، أن أكتب تاريخاً مثالياً لم يحدث. أخطأنا، وأصبنا. اتخذنا قرارات عظيمة، واتخذنا قرارات تمنينا لاحقاً لو فكرنا فيها أكثر. صنعنا برامج نجحت، وأخرى لم تنجح. راهنا على أفكار أصابت، وأفكار أخرى علمتنا أكثر مما أعطتنا. وهذا طبيعي، لأن المؤسسة التي لا تخطئ غالباً هي المؤسسة التي لا تجرب.
لكن بين هذه التفاصيل كانت هناك اختبارات أكبر كثيراً من نجاح برنامج أو إخفاقه. كانت هناك لحظات صعبة جداً، لحظات لم يبقَ فيها الخلاف معنا داخل حدود الشاشة أو النقد أو الرأي. اقتُحم مقر الرابعة، وحوصرت القناة مرتين. والمفارقة التي أستعيدها اليوم بكثير من التأمل أن من فعلوا ذلك لم يكونوا من اتجاه واحد. كانوا من جهات مختلفة، بل ومتعارضة في توجهاتها. وربما كان في ذلك، رغم قسوته، درس آخر. أن تقف على مسافة من الجميع أمر جميل عندما تكتبه في تعريف مؤسسة إعلامية، لكنه يصبح مختلفاً تماماً عندما تبدأ بدفع ثمن تلك المسافة.
في تلك اللحظات لم أكن أفكر في الشعارات. كنت أنظر إلى وجوه الناس الذين يعملون معي، إلى موظف جاء صباحاً إلى عمله فوجد نفسه وسط أزمة لم يخترها، إلى صحفي ومصور وفني ومذيع، وإلى عائلات تنتظر أبناءها في بيوتها. عندها تدرك أن مسؤولية المؤسسة ليست فقط ما تقوله على الهواء، بل مسؤوليتك عن البشر الذين صنعوا هذا الهواء. وكان يمكن لتلك الأحداث أن تغيرنا. كان يمكن أن تجعلنا أكثر خوفاً، وأكثر بحثاً عن المنطقة الآمنة، وأن نبدأ بقياس كل كلمة بمقدار من قد يغضب منها.
لكننا تعلمنا شيئاً مهماً: المؤسسة التي تجعل رضا الجميع هدفاً لها، ستنتهي غالباً إلى مؤسسة لا تقول شيئاً. لم نتحول إلى طرف لأن طرفاً هاجمنا، ولم نذهب إلى طرف آخر بحثاً عن حماية، ولم نجعل الخوف يكتب سياستنا. استمررنا. وفي صباح اليوم التالي لكل أزمة، كان الموظفون يعودون، وتضاء الاستوديوهات، وتعمل الكاميرات، وتبدأ النشرات في مواعيدها. وقد يبدو هذا تفصيلاً صغيراً بعد مرور السنوات، لكنه بالنسبة لي واحد من أكثر المشاهد التي أعتز بها في تاريخ الرابعة: كانت القناة تُحاصر من الخارج، وفي الداخل كان هناك من يجهز النشرة التالية. هذه هي الرابعة التي أعرفها.
من قناة إلى مؤسسة
خمس سنوات مضت منذ تلك البداية. والفكرة التي بدأت في ظروف مالية ولوجستية صعبة، وتحولت خلال أربعة أشهر من فراغ تقريباً إلى شاشة، لم تعد اليوم مجرد قناة. كبرت الحكاية. أصبحت الرابعة خبراً ورياضة وفناً ومجتمعاً، صوتاً وصورة، وجوهاً يعرفها الناس، وبرامج ينتظرونها، ومباريات عاشوا فرحتها معنا، وأخباراً وأحداثاً ولحظات أصبحت جزءاً من ذاكرتنا المشتركة.
لكنني عندما أسأل نفسي اليوم عن أهم ما صنعناه خلال خمسة أعوام، لا أجد الإجابة في عدد البرامج، ولا ساعات البث، ولا حجم المشاريع. هناك شيء أصعب بكثير من كل ذلك: أن تجد لك مكاناً في حياة الناس. أن يستيقظ أحدهم فيبحث عن خبر لديك، أن تجتمع عائلة أمام شاشتك، أن يعيش شاب مباراة معك، أن يختلف معك مشاهد اليوم وينتقدك، ثم يعود إليك غداً لأنه يعرف أنك جزء من يومه.
هذه العلاقة لا يمكن شراؤها. يمكنك أن تشتري أحدث الكاميرات، وتبني أجمل الاستوديوهات، وتطلق أكبر الحملات الإعلانية، لكن هناك شيئاً واحداً لا تستطيع شراءه: ثقة الناس. وهذه الثقة، بالنسبة لي، هي رأس مال الرابعة الحقيقي، وهي في الوقت نفسه أكبر مسؤولية نحملها. لأن ثقة الجمهور ليست شهادة تمنح لك مرة واحدة وتعلقها على الحائط. عليك أن تستحقها كل يوم من جديد.
الرابعة هي الناس
وحين أقول «الرابعة»، لا أتحدث عن مبنى أو شعار أو شاشة. أتحدث عن الناس. عن صحفي ركض خلف خبر، ومراسل وقف في مكان صعب، ومصور حمل كاميرته لساعات، ومخرج بقي خلف الشاشات، ومعد بحث عن تفصيل صغير، ومذيع وقف أمام ملايين الناس، وفني وإداري ومهندس وموظف وعامل. أتحدث عن الذين كانوا معنا منذ اللحظة الأولى، وعن الذين التحقوا بالحكاية في الطريق، وحتى عن الذين غادروا بعد أن تركوا شيئاً منهم هنا. لكل واحد من هؤلاء سهم في الرابعة، ولكل واحد منهم جزء من هذه السنوات الخمس. لهذا لم تكن الرابعة يوماً حكاية شخص واحد، ولن تكون.
لم نصل بعد
اليوم، في عامنا الخامس، هناك شيء واحد لا أريد للرابعة أن تشعر به: أنها وصلت. أخاف على المؤسسات من لحظة الاطمئنان أكثر مما أخاف عليها من المنافسة، لأن المنافس يجبرك على أن تتحرك، أما شعورك بأنك وصلت فقد يقنعك بأن تتوقف. ونحن لم نصل. ما زالت أمامنا مساحات لم ندخلها، وأفكار لم ننفذها، وأحلام تبدو اليوم صعبة تماماً كما بدت فكرة الرابعة نفسها صعبة قبل خمسة أعوام.
لكن الفرق أن لدينا اليوم شيئاً لم يكن لدينا آنذاك. لدينا الدليل. لقد فعلناها مرة. بدأنا من فكرة، ومن أربعة أشهر، ومن إمكانات محدودة، ومن ظروف لم تكن تساعدنا، ومن مساحة كبيرة من المجهول. وكنا، كما أحب أن أصف تلك الأيام، في الفضاء. ثم صنعنا مكاننا.
لهذا عندما أفكر في السنوات الخمس المقبلة، لا أسأل إن كان الطريق سيكون سهلاً. لم يعد هذا السؤال مهماً بالنسبة لي. أسأل فقط: هل ما زال لدينا الشغف نفسه؟ هل ما زلنا نمتلك الجرأة على أن نجرب؟ هل ما زلنا قادرين على الاعتراف عندما نخطئ؟ هل ما زلنا نمنح الشباب مساحة أكبر منا؟ هل ما زلنا قريبين من الناس؟ وهل ما زلنا جائعين لما هو أبعد؟ إذا كانت الإجابة نعم، فأنا لا أخاف على الرابعة من المستقبل.
ديون جميلة
في الذكرى الخامسة، لا أريد أن أوزع كلمات الشكر بطريقة بروتوكولية، لكن هناك ديوناً جميلة يجب أن نعترف بها. شكراً لمن آمن بالفكرة عندما لم يكن هناك شيء تقريباً يمكن رؤيته. شكراً لمن منحنا الثقة والمساحة ولم يحاول أن يصنعنا على صورته. شكراً لمن عمل في الرابعة، ومن تعب من أجلها، ومن بقي معها في أيامها الجميلة وأيامها الصعبة. شكراً لمن كان يجهز النشرة بينما كانت الأبواب في الخارج تعيش أزمة. وشكراً لمن انتقدنا بصدق، لأن بعض الذين اختلفوا معنا جعلونا أفضل.
وقبل الجميع وبعدهم… شكراً للناس. للجمهور الذي أخذ فكرة صغيرة وسمح لها بأن تدخل بيته، ثم منحها شيئاً لا يمكن لأي مال أن يشتريه: ثقته.
ما زلنا نبني
قبل خمسة أعوام كنا في الفضاء. لم يكن الطريق واضحاً، فمشينا. لم تكن الظروف مكتملة، فبدأنا. لم تكن الإمكانات بحجم الحلم، فكبرنا بالإمكانات ونحن نكبر بالحلم. وحين أغلق طريق أمامنا، بحثنا عن آخر. وحين أخطأنا، تعلمنا. وحين حوصرنا، لم نتوقف. وحين نجحنا، حاولنا ألا نصدق أننا وصلنا.
لهذا، بعد خمسة أعوام، لا أنظر إلى الرابعة وأقول: هذه هي المؤسسة التي بنيناها. أنظر إليها وأفكر بشيء آخر: هذه هي المؤسسة التي ما زلنا نبنيها.
وربما هذا هو أجمل ما في الحكاية كلها. أن خمسة أعوام من العمل والضغط والخوف والنجاح والفشل والفرح لم تجعل الحلم أصغر وأكثر واقعية… بل جعلته أكبر. بدأنا ونحن نريد أن نصنع قناة، واليوم نريد أن نصنع مؤسسة تعيش أطول منا جميعاً. مؤسسة تتغير من دون أن تفقد روحها، وتكبر من دون أن تبتعد عن الناس، وتنجح من دون أن تعتقد أنها أكبر من النقد، وتبقى دائماً قادرة على أن تبدأ من جديد.
خمسة أعوام مضت، والحكاية كبرت مع الناس. أما القادم… فما زلنا نكتبه.
